شهدالعين

أسلامى .. ثقافى ..ترفيهى ..أجتماعى ..أدبى
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 سيدنا الإمام الحسن البصري سيد التابعين ... وإمام الصوفية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مصطفى فهمي
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 939
مزاجي :
الاوسمه :
  :
تاريخ التسجيل : 13/03/2008

مُساهمةموضوع: سيدنا الإمام الحسن البصري سيد التابعين ... وإمام الصوفية   الخميس سبتمبر 12, 2013 11:18 am

سيدنا الإمام الحسن البصري سيد التابعين ... وإمام الصوفية


إلى الحضرة العليا والمحل الأسمى سمت أرواح الأولياء والعارفين والصفوة الصوفية المقربين بعد ان صفت نفوسهم وتحررت من رق الهوى قلوبهم وقابلت الحضرتان , وسطعت أنوار الحضرة الإلهية من قوله تعالى الله نور السموات والأرض والتقت بأنوار عبودية القلب وهو ساجد سجود الأبد الذي لا رفع بعده , فاندرج نور العبودية في نور الربوبية :
وكان ما كان مما لست أذكره
فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

وعلى القمة الشامخة ترى رجالا من أفذاذ خير القرون يخلفون صحابة رسول لله صلى الله تعالى عليه و سلم بعد أن نهلوا من ينابيعهم الدفاقة مدد النور المحمدي ليتسلسل الفيض النوراني إلى من بعدهم , ثم الذين يلونهم , ثم الذين يلونهم .
من هؤلاء الصفوة الأولياء الصوفية الأصفياء سيد التابعين , وإمام الزهاد والعلماء المتحققين , حامل لواء الدعوة الى الله على بصيرة شيخ الإسلام الإمام أبو سعيد الحسن بن أبـي الحسـن يسـار البصـري   .
ولقد آثرت أن يكون هذا العلم الشامخ في صدارة شخصيات  هذا الكتاب لجملة من الاعتبارات :-
فأول هذه الاعتبارات ان الإمام الحسن البصري يعد رأس التابعين , وهم أفضل الأمة بعد الصحابة أجمعين , ومن ثم فان إبراز صوفية هذا الإمام هو تأصيل لتصوف الإسلامي في وجه من يزعمون خروجه من دائرة الإسلام جهلا به أو تجاهلا لحقيقته .
ثاني هذه الاعتبارات : ان الإمام الحسن البصري  قد أستمد مشربه الصوفي من واحة رابع الخلفاء الراشدين سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وسنده الصوفي متصل به اتصالا مباشرا - كما سيأتي توثيقه في هذه الترجمة- وممن ثم : يثبت رفع الإسناد الصوفي متصلا إلى سيد الوجود صلى الله تعالى عليه و سلم عن  طريق الخلفاء الراشدين أجمعين , وبذلك تندحر دعوى خصوم التصوف القائلين بأنه بدعة لم تكن على عهد السلف .
ثالث هذه الاعتبارات : أن الإمام الحسن البصري  كان أول من تكلم في علم التصوف وأستعمل تسمية الصوفية , وثبت عنه ترديد  هذا المصطلح العلمي الذي يزعم خصوم التصوف انه مبتدع ولم يكن مستعملا على عهد السلف .
ومن ثم يتحقق توثيق تسمية الصوفية أيضا كما تحقق معناها وانبثاقه من حقيقة الإسلام ذاته .
ولنبدأ بالتعرف على جوانب من الترجمة الشخصية للإمام الحسن البصري ,ومن حيث أسمه , ونسبه , وكنيته , ولقبه , ومولده ونشأته , وصلته بالبيت النبوي الكريم .
فأما عن أسمه ونسبه وأسرته : فقد نطقت المصادر التاريخية بأنه الحسن ابن أبي الحسن يسار البصري نسبة إلى البصرة بالعراق : لأن أسرته – أصلا كانت تقطن ببلدة تدعى ميسان بأسفل البصرة , بينها وبين واسط .
وكان والده ( يسار ) يسمى – قبل الإسلام- ب ( فيروز) ثم صار من سبي ميسان هو وزوجه ( خيرة) - أم الحسن- لرجل من بني النجار من الأنصار . ثم اعتق أبوه , وصارت أمه مولاة لأم المؤمنين سيدتنا أم سلمة المخزومية , وصار هو مولى لسيدنا زيد بن ثابت الأنصاري .
ويذكر الذهبي – من جملة الروايات في هذا الصدد أيضا – ان والد الإمام الحسن قد تزوج بأم الحسن بعد أن سكن المدينة المنورة , واعتق , وذلك في خلافة سيدنا عمر .
وأما كنية الإمام الحسن ولقبه : فانه كان يكنى بأبي سعيد وعبد الله , كما رزق بنتا , وكان يلقب ب ( شيخ الإسلام ) كما رواه الحافظ الذهبي كما كان يلقب بإمام أهل البصرة .
وأما عن مولده : فقد ولد الإمام الحسن في بيت السيدة ام سلمة زوج النبي صلى الله تعالى عليه و سلم بالمدينة المنورة سنة أحدى وعشرين سنة للهجرة النبوية الشريفة لسنتين من خلافة أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب  ويوافق ذلك سنة 641 م .
وهنا نستشرق أول معالم العظمة من خلال تعرف مولد الإمام الحسن وبيئته الخاصة , حيث ولد في هذا البيت النبوي الكريم في أعطاف العناية الإلهية تظلله رعاية أم المؤمنين , بل وينال الشرف الأعظم من رضاعه منها كما نطقت الروايات الموثقة : فقد روى الحافظ الذهبي عن محمد بن سلام عن أبي عمرو الشعاب بسنده انه قال : ( كانت أم سلمة تبعث أم السحن في الحاجة فيبكي وهو طفل فتسكته أم سلمة بثديها , وتخرجه إلى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم وهو صغير , وكانت امة منقطعة إليها , فكانوا يدعون له , فأخرجته إلى عمر فدعا له وقال ( اللهم فقه في الدين وحببه إلى الناس ) .
وعن نشأته وتدرجه في مراقي الفلاح وتلقيه عن أئمة أجلاء الصحابة يقول صاحب ( تذكرة الحفاظ ) :-
( نشأ بالمدينة , وحفظ كتاب الله في خلافة عثمان , وسمعه يخطب مرات , وكان يوم الدار ابن أربع عشرة سنة , ثم كبر , ولازم الجهاد , ولازم العلم والعمل , وكان احد الشجعان الموصوفين , يذكر مع قطري بنت الفجاءة وصار كاتبا في دولة معاوية لوالي خراسان : الربيع ين زياد , حدث عن عثمان وعمران بن حصين والمغيرة بن شعبة , وعبد الرحمن بن سمرة , وسمة بن جندب , وجندب البجلي , وابن عباس , وابن عمير , وأبي بكرة , وعمرو بن تغلب وجابر , وطائفة كثيرة ) .  
لقد نهل الإمام الحسن رضوان الله عليه من ينابيع علوم الصحابة الذين كانوا أوعية العلم والمعرفة , وحملة الإرث المحمدي .
لقد روى عنه الحافظ أبو نعيم في الحلية انه كان يقول ( والله لقد أدركت سبعين بدريا أكثر لباسهم الصوف ).
وكان سيدنا الحسن ممن جمع القرآن الكريم على عهد سيدنا عثمان , فقد روى الذهبي انه كان يقول : أنا يوم الدار ابن أربع عشرة سنة . جمعت القرآن أنظر إلى طلحة بن عبيد الله ) .
وكان بعض أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه و سلم يؤثر الأمام الحسن بالفتيا , ويشيد بحفظه للعلم , فقد روى الحافظ الذهبي عن سيدنا انس بن مالك  قال : سلوا الحسن , فأنه حفظ ونسينا ) .
كما روى عن سيدنا قتادة التابعي انه قال : ( ما جمعت علم الحسن إلى احد من العلماء إلا وجدت له فضلا عليه ) .
ولله در محمد بن سعد إذ قال في طبقاته : ( كان الحسن رحمه الله تعالى جامعا , عالما , رفيعا , فقيها , ثقة , حجة , مأمونا , عابدا , ناسكا , كثير العلم , فصيحا , جميلا , وسيما ) .
ونجد من معالم عظمة هذا الإمام مزاوجته بين العلم والعمل , حتى لقد كان على رأس التابعين , وانعقدت له سيادة أهل زمانه , فقد سجل الذهبي هذه السيادة قائلا في ترجمته : ( وكان سيد أهل زمانه علما وعملا ) .
بل ان جانب العمل كان أرجح عند الإمام الحسن من جانب العلم الذي كان يطاول عنان السماء , ينبئنا عن ذلك قول ابن العماد : ( وقيل ليونس بن عبيد : أتعرف أحدا يعمل بعمل الحسن ؟ والله ما أعرف أحدا يقولا بقوله , فكيف يعمل بعمله ؟ ) ثم وصفه فقال : ( كان إذا أقبل فكأنه من دفن حميمه , وأذا جلس فكأنه أسير أمر بضرب عنقه , وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له )!!
إنه تجسيد حي لشدة خوفه من ربه وخشيته من عذابه , مع انه كان شديد الاجتهاد في طاعة الله تعالى وعبادته , إذ يقول الإمام المناوي في ترجمته من طبقاته . ( .. ثم صار من رؤوس العباد الأخيار , صلى الغداة – أي الصبح – بوضوء العشاء أربعين سنة !!) .
لقد كان كبار التابعين يشبهونه بالصحبة , إذ يروي الذهبي عن علي بن يزيد أنه قال : سمعت من ابن المسيب وعروة القاسم وغيرهم : ( ما رأيت مثل الحسن ولو أدرك الصحابة وله مثل أسنانهم ما تقدموه ) .  
وعن أبي بردة انه قال : ( ما رأيت أحدا أشبه بأصحاب محمد صلى الله تعالى عليه و سلم  منه ) .
ومع ذلك كان الإمام الحسن قمة في التواضع واستقلال قدره بالنسبة للصحابة , حتى كان يقول : ( لقد أدركت أقواما ما أنا عندهم إلا لص ) !! .
لقد كان يراقب الصفوة الذين رباهم النبي صلى الله تعالى عليه و سلم على عينه فكانوا مثلا عليا في العبادة وطرح الدنيا , فكان يقول : ( أدركت أقواما : ما تطوى لأحدهم في بيته ثوب قط , ولا أمر في بيته بصنعة طعام قط , وما جعل بينه وبين الأرض شيئا قط ) !! .
وهنا نقف وقفة لإبراز صوفية الإمام الحسن البصري وتأصيلها علميا في مواجهة الذين يطرحون هذا التساؤل : هل كان الإمام الحسن البصري صوفيا ؟ نقول – بكل التحقيق اليقيني- نعم , لقد كان الإمام الحسن إماما من كبار أئمة الصوفية على عهد التابعين , ولتوثيق ذلك ندلي بهذه الأدلة والحجج والشواهد :
- أما أولا : فقد صرح جمع كبير من أكابر العارفين بالله تعالى بأن الإمام الحسن البصري معدود من أئمة الصوفية أهل الطريق إلى الله تعالى , ومن ذلك ما ذكره الإمام المناوي في ترجمة الإمام الحسن ضمن تراجم السادة الصوفية إذ قال : وقال أبن عربي : ( الحسن  عندنا من أئمة أهل طريق الله جل جلاله , ومن أهل الأسرار والإشارات ) .  كما عرض تاج الدين الكلاباذي اسم الإمام الحسن تحت عنوان ( في رجال الصوفية ) .
- وثانيا : أن مؤرخي التصوف ومصنفي طبقات الأولياء الصوفية قد أفردوه  بالترجمة وتناول مناقبه في مصنفاتهم ومناقبهم على انه أحد أعلام الأئمة الصوفية , نجد ذلك في (حلية الأولياء) لأبي نعيم و ( صفة الصفوة ) لابن الجوزي و ( الطبقات الكبرى) للإمام الشعراني , و ( الكواكب الدرية ) للإمام المناوي , وغير ذلك .
- وثالثا : تقرير الحفاظ الاثبات من رؤوس السلفية – كابن الجوزي والذهبي – لصوفية الإمام الحسن وتناقل الروايات الدالة على ذلك في مصنفاتهم , فها هو ذا الحافظ الذهبي يقول في ترجمة الإمام الحسن من ( سير أعلام النبلاء ) :-
( وقال أبو سعيد بن ألأعرابي  في "طبقات النساك" كان عامة من ذكرنا من النساك يأتون الحسن , ويسمعون كلامه , ويذعنون له بالفقه في هذه المعاني خاصة , وكان عمرو بن عبيد , وعبد الواحد بن زيد من الملازمين له .
وكان له مجلس خاص في منزله لا يكاد يتكلم فيه إلا في معاني الزهد والنسك وعلوم الباطن , فأن سأله إنسان غيرها تبرم به , وقال : أنما خلونا مع أخواننا نتذاكر , فأما حلقته في المسجد : فكان يمر فيها الحديث , والفقه , وعلم القرآن , واللغة , وسائر العلوم .
وكان ربما يسأل عن التصوف فيجيب  , وكان منهم من يصحبه للحديث ومنهم من يصحبه للقرآن والبيان , ومنهم من يصحبه للبلاغة , ومنهم من يصحبه للإخلاص وعلم الخصوص كعمرو بن عبيد , وأبي جهير , وعبد الواحد بن زيد , وصالح المري , وشميط , وأبي عبيدة الناجي , وكل واحد من هؤلاء أشتهر بحال يعني في العبادة .
اترى بعد ذلك التجسيد الحي لجانب التصوف عند الإمام الحسن – ولا سيما من تقرير الحافظ الذهبي – مجالا للشك في اعتداد سيد التابعين من أعلام الصوفية الواصلين ؟؟
- ثم رابعا : روى الحافظ الذهبي و المناوي عن سيدنا قتادة ( التابعي)  ان الإمام الحسن كان في عصره من السبعة الذين هم على قدم خليل الرحمن , بهم يغاث الناس وبهم يسقن وينصرون , وهؤلاء هم المعروفين عند الصوفية بالإبدال , قال سيدنا قتادة ( بقال ما خلت الأرض قط من سبعة رهط بهم يسقون , وبهم يدفع عنهم , وأني لأرجو أن يكون الحسن أحد لسبعة ) .
وفي شرح الإمام المناوي لحديث  لن تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن فبهم تسقون وبهم تنصرون , وما مات منهم أحد إلا بدل الله مكانه آخر قال ( قال سعيد سمعت قتادة يقول : لسنا نشك أن الحسن منهم , وهؤلاء هم الابدال المشار إليهم في حرف الباء ( طس عن أنس ) – أي رواه الطبراني فيس الاوسط عن أنس رضي الله عنه , قال الهيثمي : إسناده حسن )    وللتوفيق بين الحديث والأثر أقول : إن الأبدال أربعون رجلا ورؤسائهم سبعة , ويستمدون من المشرب الذي ينهل منه خليل الرحمن من حضرة النبي صلى الله تعالى عليه و سلم .
- وخامسا : إن الإمام الحسن بعد – عند أئمة من علماء الصوفية – أول من تكلم في علم التصوف ومهد سبيله وفتق الألسنة به , ونطق بما فيه , وأظهر أنواره , وكشف قناعه , وكان يتكلم بكلام لم يسمعوه من أحد من قبل من أخوانه , فقيل له : يا أبا سعيد : أنك تتكلم في هذا العلم بكلام لم نسمعه من أحد من غيرك فممن أخذت هذا ؟ فقال : ( من حذيفة بن اليمان ) . هكذا صرح الإمام أبو طالب المكي وقال في ( قوت القلوب ) الذي هو من أعظم مصادر التصوف –( ... والحسن البصري هو أمامنا في هذا العلم الذي نتكلم به , أثره نقفو , وسبيه نتبع , ومن مشكاته نستضيء , أخذنا ذلك بأذن الله تعالى من أمام عن أمام إلى أن ينتهي ذلك إليه , وكان من خيار التابعين بإحسان ) .
ثم إن الإمام الحسن قد أثر عنه استعمال لفظ ( صوفي) كمصطلح علمي , وكتسمية تنازع الناس في تأصيلها , وتنطع المتنطعون بزعم انها لم تعرف على  عهد السلف , واتخذوا من ذلك ذريعة لإنكار التصوف والصوفية , مع إن الإمام الحسن البصري الذي عاش جل عمره في القرن الأول , وعاصر وشافه كبار الصحابة العظام أجمعين : روى عنه صاحب ( عوارف المعارف ) انه قال : ( رأيت صوفيا في الطواف , فأعطيته شيئا فلم يأخذه , وقال معي أربعة دوانيق فيكفيني ما معي . ومن ثم يتأصل استعمال لفظ الصوفي على عهد السلف الصالح .
ولقد ربط الإمام الحسن بين مظهر الصوفي – المتمثل- في لبس الصوف – وبين حقيقة الباطنة حيث قال ( ما كل الناس يصلح للبس الصوف , لأنه يطلب صفاء ومراقبة ) .
وقيل له ذات يوم : ما سبب لبسك الصوف ؟ فسكت , فقيل له : ألا تجيب ؟
قال Sadإن قلت زهدا زكيت نفسي , أو فقرا وضيقا شكوت ربي ) أجل أنه مشرب الصوفية الأطهار .
- سادسا أن أئمة من المحققين من الصوفية نصوا على انتهاء إسنادهم في الطريق إلى سيدنا الحسن البصري – وتلك حجة عملية لا تقبل المراء لان بناء أسانيد أشهر الطرق الصوفية عليها – ومبنى ذلك , على أن الإمام الحسن البصري , قد لبس خرقة التصوف من سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .
ففي تبيان الأمام نور الدين الحلبي – صاحب السيرة – الحلبية لسند طريقة سيدي أحمد البدوي  يقول : ( والمشهور والمحفوظ : أن الحسن أي البصري – أنما لبس الخرقة من سيدنا علي بن أبي طالب , لكن نوزع في اجتماعه بسيدنا علي , وصحح الجلال السيوطي ثبوت اجتماعه به , والحاصل أن سند إلباس الخرقة ينتهي أما الى الحسن البصري , وأما لأويس القرني , وقد ذكر بعضهم : أن سند سيدي عبد القادر الجيلي – الشهير بالكيلاني – بالخرقة ينتهي إلى الحسن البصري أيضا , وكذلك سيدي احمد بن الرفاعي بها ينتهي إلى الحسن البصري ايضا , وان الحسن البصري أخذها عن سيدنا علي كرم الله وجهه .)
وكذلك حقق بعض العلماء الجهابذة المعاصرين صحيحة انتهاء بعض سلاسل الطرق الصوفية إلى سيدنا علي كرم الله وجهه من طريق الإمام الحسن البصري , ومن هؤلاء : الدكتور إحسان عباس الذي صنف كتابا قيما عن الإمام الحسن البصري , وبين فيه سلاسل الطرق الصوفية التي ينتهي إسنادها إليه , وحصرها في ثلاثة فروع , ووافقه على ذلك الدكتور علي سامي النشار , وهذه الفروع الصوفية هي : -
الفرع الأول : الذي يبدأ من الرسول الأعظم , ومنه الى سيدنا الحسن البصري , ومنه الى الإمام الحارث المحاسبي . وقد اشتهرت هذه السلسلة وانتشرت في شمال أفريقيا خاصة . ومن ثم رصد البحث الصوفي ضمن الطرق الصوفية العديدة : طريقة تعرف ب ( الطريقة البصرية ) نسبة إلى الإمام الحسن البصري .
والفرع الثاني : يبدأ من حضرة سيد الخلق صلى الله تعالى عليه و سلم , ومنه إلى سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه , ومنه إلى سيدنا الحسن البصري , ومنه الى سيدنا حبيب العجمي , الى سيدنا داود الطائي , إلى سيدنا معروف الكرخي , الى سيدنا السري السقطي إلى سيدنا الإمام الجنيد الملقب ب ( سيد الطائفة الصوفية ) , وهذا الفرع يعد أحد السلاسل الثلاث التي تنتهي بها الطريقة النقشبندية إلى مولانا رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم .
والفرع الثالث : يبدأ من حضرة النبي صلى الله تعالى عليه و سلم , ومنه الى سيدنا انس بن مالك , ومنه إلى الإمام الحسن البصري , ومنه إلى سيدنا فرقد السبخي , ومنه إلى سيدنا معروف الكرخي أجمعين .
-ثم سابعا : من ادل الدلائل على صوفية الإمام الحسن البصري  وولايته : ثبوت وقوع الكرامة عل يديه , فالكرامة للولي : بمثابة المعجزة للنبي , والكرامة كما عرفها علماء العقيدة : هي عند جمهور أهل السنة : أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا هو مقدمة لها , يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح ملتزم لمتابعة نبي كلف بشريعته , مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح و علم بها أو لم يعلم .
كما عرفها الولي بأنه العارف بالله تعالى وبصفاته حسب الإمكان , المواظب على الطاعات المجتنب المعاصي , المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات المباحة .
وقد اشتهرت عن الإمام الحسن البصري كرامات ناطقة بولايته وصوفيته , كما أثبت له العلامة الشيخ يوسف النبهاني :ترجمة في كتابه الفريد ( جامع كرامات الأولياء ) .
فمن الكرامات التي تناقلتها المصادر الموثقة عن الإمام الحسن البصري ما رواه الحافظ الذهبي في رجمته عن مطر الوراق انه قال : ( لما ظهر الحسن البصري جاء كأنما كان في الآخرة : فهو يخبر عما عاين ) !!
إنها كرامة المكاشفة بأمور الآخرة , نظير مكاشفة سيدنا حارثة حيث قال ( .... وكأني انظر إلى هل الجنة يتزاورون فيها , وكأني اسمع عواء أهل النار , فقال أي النبي صلى الله تعالى عليه و سلم -:  عرفت فألزم , مؤمن نور الله قلبه .
ومن كراماته أيضا ما ذكره الذهبي في ترجمته قائلا ( .... ويروى أنه أغمى عليه , ثم أفاق  إفاقة فقال : لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم ) .
ومن كراماته ايضا : ما سجله الإمام النبهاني في جامع الكرامات , قائلا : ( قال الشيخ علوان الحموي في ( نسمات الأسحار ) : لما بلغ الحسن قتل الحجاج لسعيد بن جبير : قال اللهم يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج , فما بقى الا ثلاثا حتى وقع في جوف الاكلة والدود فمات , وهذه من كرامات الحسن البصري ) .
ومن كراماته كذلك : ما نص عليه في (جامع الكرامات) بقوله ( ومن كراماته _ أي الحسن البصري – انه كان ممن يصلي الصلوات الخمس بمكة – يعني وهو في البصرة تطوى له الأرض , فهو من أهل الخطوة )  !!
ثم من الكرامات المأثورة له : ما ذكره الإمام المناوي قائلا : ( ورأى بعض الأولياء ليلة موته – أي الإمام الحسن – أبواب السماء مفتحة وكان مناديا ينادي : ألا أن الحسن البصري قدم على الله وهو عنه راض ) .
هذه طائفة من كرامات هذا الأمام العارف بربه تشهد بتحقق صوفيته وولايته , ويتبقى لنا ان نتسائل عن المشرب الصافي والمنهج السلوكي والتحققي الذي تحقق به الامام الحسن البصري وارتقى به مكانة شامخة في قمة عصر التابعين وصار به امام للصوفية من بعده الى عصرنا هذا ؟؟
ان هذا المنهج الذي يسفر عنه البحث في حياة الامام الحسن الحسن وسلوكه وأقواله واشاراته يتراءى لنا مرتكزا على اربعة اسس رئيسية الا وهي :-
المعرفة والزهد في الدنيا , الخوف , والعمل للمشاهدة على أساس من تزكية النفس وصلاح القلب .
اما الأساس الأول – وهو أساس المعرفة- فعليه تبني بقية الأسس , إذ لا زهد ولا خوف , ولا عمل للمشاهدة الا بعد الفقه والتبصر والتفكر السديد في حقائق الأمور , ولقد كان الإمام الحسن متفردا في عصره وفي علمه ومعرفته , حتى لقد روى الذهبي عن عوف انه قال ( ما رأيت رجلا اعلم بطريق الجنة من الحسن )
وقد مر بنا قول الحافظ الذهبي فيه ( وكان سيد زمانه علما وعملا ) , كما روى عن أبي قتادة أنه قال : ( ما رأيت أحدا أشبه رأيا بعمر بن الخطاب منه – يعني الحسن -)  .
وقد كان سيدنا عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الإمام الحسن كلما أشكل عليه أمر وهو خليفة للمسلمين فيجيبه سيدنا الحسن بثاقب عرفانه ونفاذ بصيرته وروائع وعظه , مشاركا بدعوته في بناء الدولة والفرد والمجتمع , ومن بدائع رسائله إليه ما جاء في صدرها : ( اعلم ان التفكير يدعو الى الخير والعمل به , والندم على الشر يدعو إلى تركه , وليس ما يغني وان كان كثيرا يعدل ما يبقى وان كان طلبه عزيزا , واحتمال المؤونة المنقطعة الى تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة متقطعة تعقب مؤونة باقية , فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة , التي قد تزينت بخدعها وغرت بغرورها , وقتلت أهلها بأملها , وتشوقت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوة ....) .
ولقد رصد العلماء والمفكرون للإمام الحسن انه كان مؤسس ( علم القلوب والخواطر ) وهو ما سماه الباحثين المحدثون ب ( السيكيولوجية التنسكية ) وهي المبادئ التي قامت عليها العديد من الطرق الصوفية , وصرح بعضهم بان الامام الحسن كان قطب الغوث في زمانه .  
وقد مر بنا ان أبا سعيد الإعرابي قال ( لم يبلغنا  أن أحدا تكلم في هذه المذاهب – يعني في أحوال النفس – ودعا اليها , وزاد في بيانها وترتيبها وصفات اهلها مثل الحسن البصري ) .
وأما الأساس الثاني – وهو الزهد – فانه من المقطوع به عند العلماء والباحثين في التصوف : ان الامام الحسن البصري وهو مؤسس مدرسة الزهد في عصر التابعين , وقد روى الحافظ ابو نعيم عن علقمة بن مرثد انه قال ( انتهى الزهد الى ثمانية من التابعين , فمنهم الحسن بن ابي الحسن فما رأينا احدا من الناس كان أطول حزنا منه ) .
ولقد كان من روائع حكم الامام الحسن ونصائحه في الزهد قوله ( إن الدنيا دار عمل , من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها سعد بها ونفعته صحبتها , ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقي بها وأجحف بحظه من الله عز و جل , ثم أسلمته الى ما لا صبر عليه ولا  طاقة له من عذاب الله , فأمرها صغير ومتاعها قليل , والفناء عليها مكتوب ... ) .
وكانت حياته مرآة لقوله في الزهد , اذ يروى الذهبي , عن مطر انه قال ( دخلنا على الحسن نعوده فما كان في البيت شيء , لا فراش ولا بساط ولا وسادة ولا حصير الا سرير مرمول هو عليه )  .
وكان يحب الدنيا ويحذر من صرعتها , فقد كتب يوما الى سيدنا عمر بن عبد العزيز قائلا ( أما بعد , فان الدنيا دار مخيفة , انما اهبط ادم من الجنة اليها عقوبة , واعلم ان صرعتها ليست كالصرعة من اكرمها يهن , ولها في كل حين قتيل , فكن فيها يا امير المؤمنين كالمداوى جرحه يصبر على شدة الدواء خيفة طول البلاء . والسلام ) .
وأما الأساس الثالث فهو الخوف والحزن , ولقد كان الامام الحسن مضرب المثل في خوفه وخشيته وطول حزنه , حتى لقد روى ابن الجوزي عن يزيد بن حوشب أنه قال ( ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز : كان النار لم تخلق إلا لهما ) .
وروي عن يوسف بن أسباط انه قال ( مكث الحسن ثلاثين سنة لم يضحك , وأربعين سنة لم يمزح ) .
وكان الإمام الحسن  يرى ان الخوف والحزن انما هما من ثمرات صلاح القلوب , فيقول : ( لو ان القلوب حياة ... لو أن بالقلوب صلاحا لابكتكم من ليلة صبيحتها يوم القيامة , ان ليلة تمخض عن صبيحة يوم القيامة ما سمع الخلائق بيوم قط أكثر من عورة بادية , ولا عين باكية من يوم القيامة ) .
وروى ابن الجوزي أيضا عن حفص بن عمر انه قال : بكى الحسن , فقلنا له ما يبكيك ؟ فقال ( أخاف ان يطرحني غدا في النار ولا بيالي )    انه الخوف العمري بروعته وجلاله !
واما الاساس الرابع : فانه العمل الدؤوب على اساس من تطهير النفس وصلاحية القلب توقا إلى مشاهدة الله عز و جل.
- لقد ربط الإمام الحسن مداومة العبادة لله تعالى بالفقه والزهد , ربط السبب بالمسبب فقال ( إنما الفقيه الزاهد في الدنيا البصير بدينه المداوم على عبادة ربه ) .
-وكانت عظاته في الحث على العمل تقع على القلوب الحية كالصواعق , فمنها قوله ( عجبا لقوم امروا بالزاد ونودي بالرحيل فيهم وحبس أولاهم عن آخرهم وهم قعود يلعبون !! ابن آدم : السين تحد والتنور يسخر , والكبش يعلف , كفى بالتجارب وبتقلب الأيام عظة وبذكر الموت زاجرا عن المعصية , ذهبت الايام وبقيت الآثام قلائد في الأعناق ) !!
وكان يروى ان التقصير في العمل مرده إلى المعاصي والخطايا  , فهي التي تحبس عن الطاعات , فقد روى ابن الجوزي عن مبارك بن فضالة انه قال : سمعت الحسن وقال له شاب : أعياني قيام الليل , فقال : ( قيدتك خطاياك )  !
وفي فضل العبادة ولانقطاع إلى الله تعالى كان يقول ك ( من انقطع إلى الله في مسجد للذر والصلاة اقام الله له الدنيا خادمة ) .
وقال : ( المقيم في مسجد مرابط على طاعة الله يدفع الله به وبدعائه البلاء عن العباد و البلاد )   انه تجسيد لفضل العبادة وتصريح من الإمام الحسن بمشروعية التوسل بالصالحين .
ولكن ما الغاية التي يقصدها الإمام الحسن بالعبادة ؟ أهو نعيم الجنة ؟ انه هدف أعلى وأسمى من ذلك : انه نعيم المشاهدة , وفي ذلك يقول الإمام الحسن سيد التابعين : ( لو علم العابدون انهم لا يرون ربهم يوم القيامة لماتوا ) .
لقد احسن الدكتور إبراهيم بسيوني في تعليقه على هذا الأثر بقوله : ( فمشاهدة الله إذا مطمع هذا العابد , لا الجنة بغرفها , ولا النار بلظاها , ورؤية الحبيب أمل يداعب الصوفية ويفنون في سبيله أعمارهم .
وهكذا يمكن من تتبع منهج الحسن ان تجد عنده اصدق تطبيق عملي لما في الإسلام من تصوف خلال هذ العصر , ولهذا يعد كثير من الباحثين واضع أصول التصوف .
اجل : إنها المشاهدة التي هي مرتجى كل محب لله تعالى , يقول مولانا القطب الشعراني في ترجمة سيدنا الحسن البصري من طبقاته الكبرى ( وكان يقول : المحب سكران لا يفيق إلا عند مشاهدة محبوبه ).
تلك غاية الصفوة الذين طهرت قلوبهم من الهوى بتصحيح العمل لله والتحرر من اسر النفس والشيطان , ولقد وصف الإمام الحسن – حكيم القلوب والنفوس – الدواء للتغلب على العدوين الأكبرين قائلا ( يستعان على دفع وسوسة إبليس بالذكر والقراءة , والنفس : بالصوم والصلاة والمجاهدة والرياضة ) .
وإذا صح القلب وطهرت النفس كان لشوق إلى اللقاء والحنين الى رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم , لذا كان الإمام الحسن إذا ذكر حديث الخشبة التي كان سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم يخطب الى جنبها يقول ( يا عباد الله , الخشبة تحن الى رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم فانتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه ) .
هذا هو الإمام الحسن البصري الذي كان اذا ذكر عند الإمام محمد الباقر  قال ( ذلك الذي كلامه كلام الأنبياء )  !!
لقد لقي ربه سنة عشر ومائة للهجرة الشريفة , فجزاه الله تعالى عن الأمة المحمدية خير الجزاء وحشرنا في زمرته في دار البقاء .
وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم .

المصدر : من كتاب بحار الولاية المحمدية في مناقب أعلام الصوفية للاستاذ الدكتور جودة محمد أبو اليزيد المهدي .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
سيدنا الإمام الحسن البصري سيد التابعين ... وإمام الصوفية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شهدالعين :: التصوف الاسلامي :: الصوفيه والعصر-
انتقل الى: